شعورٌ مخيف أن تفقد الوعي للحظات فتجد
نفسك تسقط في هاوية لا نهاية لها إلَّا نهايتك.. والأكثر إخافةً من كل هذا أن تجد هذا
الآلي الذي حاولت قتله منذ قليل وهو يتجه إليك؛ لذلك حاولت التخلص منه بإطلاق النار
عليه لكنَّه وبكل بساطة وضع هِراوته أمام الطلقات التي عَلِمَ مسارها بشكلٍ عجيب وهو
يقترب ناحيتي فيقول “كلانا يعلم نهاية تلك الحفرة؛ لذا إمَّا أن تتوقفي عن الهجوم لكي
ننجو منها، أو تستمري في ذلك فنهلك كلانا...” ثم تذكَّرت فرح ما حدث قبل قليل في تلك
المعركة فقد حاول وليد قتلها لكنَّها تفاجأت بسايبر الذي ركض ناحيتها كي ينتقل بها
لمكانٍ آخر، ثم تجد نفسها في هذه الهاوية فتدرك على الفور اختيارها القادم...
تصنَّعت فرح اللامبالاة حينما أخبرها والدها
بشأن السلاح الجديد ثم تفاجأت به يخبرها بأنَّهُ قد تراجع عن الأمر فهي غير سعيدةٍ
بذلك فتترجاه بألَّا يفعل فينفجر ضاحكًا من التصنع الذي كانت فيه.. انتقلا بعد ذلك
خلف المختبر حيث تواجدت تلك الباحة الواسعة ثم وقف ماهر في نهايتها بينما فرح في المنتصف
ثم سألها إن كانت مستعدة فأجابت بالإيجاب فهمس ماهر لنفسه “لنبدأ” قام بعدها بالضغط
على أحد الأزرار في الأرض فتظهر تلك الأهداف ويبدأ معها التدريب...
قام ماهر بجعل فرح تمر بالعديد من التدريبات
القاسية؛ فقد كان التدريب هو إصابة الأهداف وما إلى ذلك.. وكان يعيد التدريب من جديد
إذا أخطأت فرح أحد الأهداف مُعللًا ذلك بأنَّ الرُماة لا يجب أن يخطئوا الهدف أبدًا
لأن ذلك يعني نهايتهم؛ فقوتهم الحقيقية تظهر في القتال بعيد المدى، وكان التدريب الأخير
هو أن تطلق فرح النار بمدفع ثقيل لسببٍ ما يعلمه ماهر والذي ختم التدريب بأن قال لها
أنَّ ما تعلمته هو الأساسيات فقط وأنها يجب أن تطور من مهاراتها بنفسها، وبعد فترة
أوكل إليها والدها بعض المهام للقيام بها داخل اللعبة حيث أصبحوا كالفرقة الخاصة..
ومع الوقت قد نشأ هذا العَدَاء الداخلي بين الطرفين حيث رأى أعضاء الفرقة الخاصة أنَّ
فريق فرح لا يستحق أن يتم معاملتهم بالمِثل، ومنذ تلك اللحظة وكلا الطرفين في انتظار
القشة التي سوف تقسم ظهر البعير.. وما هي إلا لحظات حتى انضم باسل للفرقة.. فيشاهد
تلك الفتاة التي تريد دخول المختبر والذي لديهم أوامر بحراسته والقضاء على الدخلاء
فيخشى عليها من بقية زملائه الذين سوف يقضون عليها إذا ما رأوها فيمسكها من يديها حتى
يبعدها عن المكان لكنَّه تفاجأ بهذا المُسدس في وجهه فيبتعد عن مساره فتخرج منه تلك الطلقة معلنةً بدأ المعركة فيضربها
بعصاته ويستمر هذا القتال لبضع لحظات حتى يأتي والدها وقائد الفرقة ليوقفا النزال؛
فتذهب فرح مع والدها ويذهب باسل مع القائد...
أطفأت تلك اللحظة اللهيب المُشتعل داخل
فرح بسبب العداء بين الطرفين لكنَّها في داخلها شعرت بأنَّ هذا الشخص مختلف؛ فقد فعل
ذلك بدافع المُساعدة لا التهكم.. كما أنها لم تسطع ضربه وهو كذلك، لذا فنتيجة هذا النزال
هي التعادل وفرح لن ترضى بذلك.. في المرة القادمة ستكون لها الكفَّة الأرجح فهي على
وشك الحصول على سلاحها الجديد لانتهائها من التدريبات الشاقة...
نظرت فرح إلى المسدسيْن الجديديْن؛ أحدهم
بالأبيض والآخر بالأسود والخزنة من النوع الدائري والذي يتسع لست طلقات فتنظر إلى والدها
لتخبره بهذه المُشكلة فيجيبها بأنَّ الطلقات تتكون تلقائيًا داخل الخزنة بعد إطلاقها
وأنَّ هذا السلاح هو تحفةٌ فنية حيث أضافَ إليه زياد ونادين وعصام من المُختبر ثم أكمل
بأن تذهب هي وتجرب السلاح كما تشاء...
أحست بلذة الانتصار حينما جَرَّبّت هذا
السلاح في العديد من المرات لكنَّها شعرت بأنها لم تنتهي من أحد المعارك بعد لذا فعليها
التوجه إلى عضو الفرقة الجديد.. ربما يختلف عن بقية الفرقة؛ فلقد أراد منعها من الدخول
ولم يهجم عليها حتى بدأت هي، ربما ليس كالبقية...
تأكدت فرح من صفاء نية باسل حيث أنها أجرت
حديثًا معه بينما كانت تتحداه، كما أنه قام بخيانة الفرقة الخاصة حينما أمره القائد
باغتيال نادين فحينما كانت فرح برفقتها وأقبل عليهم باسل وبرفقته اثنين من الفرقة اعتقدت
فرح بأنَّهُ مثل البقية.. لكنَّه هاجم رفيقيْه ثم أمدَّ لها يد العون، وقد علمت فرح
بعد ذلك أَنَّ نادين هي من أعطت لباسل السواريْن لذلك فقد اعتبرته فرح أكثر الأشخاصِ
ثقةً في اللعبة وقد اعتمدت عليه فيما بعد...
* * * * * *
إذا نظرت إلى الجانب الشرقي المُطل على
الوادي ستشاهد نصف الفرقة الخاصة يتقدمهم نائب القائد وهم قادمون بينما الجانبي الغربي
المُطل على منطقة الضباب ستجد نصف الدراجين بجانب النائب الجديد.. في بادئ الأمر ستعتقد
أنهما سيواجهان بعضهما البعض لكنَّهم اتحدا لاشتراكهما في نفس الهدف.. أَيُّ هدف؟ الهدف
هو ابنة صاحب اللُعبة.. (فرح) ومن معها...
* * * * * *
ساد الهدوء المكان بعدما أزالَ كلُّ منهم
غطاء العباءة.. فرح وباسل ينظرانِ إلى بعضهما البعض والابتسامة تعلو وجهيْهما، سايبر
يخلو وجهه الآلي من أيَّةِ ملامح وكشكول الذي وقف متصلِّبًا في مكانه فاغرًا فاهه وهو
ينظر إلى فرح وسايبر لبضعِ ثوانٍ ثم قال:
-من هَذَان؟ لأنَّهُما يشبهان فرح وسايبر؛
وحسب معلوماتي ففرح قد قُتلت على يد وليد وسايبر من الأعداء.. وبالطبع لن ينضم إلينا
زومبي وعدو...
ضحك باسل ثم نظر إلى كشكول وقال:
-دعني أُفسر لك.. كلُّ ما في الأمر أنَّ
فرح قد نجت بشكلٍ ما من الهجوم وقد أقنعت سايبر بالانضمام إلينا.. كما أنها قد شاهدتك
وأنت تبحث عنِّي فبعثت لي برسالة في الوقت الخطأ؛ فقد جعلت أحد الأعداء يصيبني بينما
أتجسس عليه...
هزَّ كشكول رأسه متفهمًا ما قاله باسل
ثم أردف:
-كلامٌ جميل.. لكنَّه لا يفسر أيَّ شيء...
أدخلت فرح نفسها في وسط الحديث فقالت له:
-دعني أُفسر لك ما حدث...
نظر الجميع إليها بينما اندمجت في وضعية
الروي:
-أتذكر كل شيءٍ وكأنَّهُ البارحة...
“لقد مرَّت بضعُ ساعاتٍ
فقط” باسل مقاطعًا فتنظر هي إليه بغضب ثم تكمل:
-منذ بعض ساعات بينما كُنا في المعركة،
على وجه الخصوص في اللحظة التي وجَّه لي فيها وليد ضربة المدفع القاتلة؛ انتقل سايبر
أمامي ثم استعمل قدرته للانتقال في آخر لحظة لكي يبعدنا عن مرمى المدفع لأجد نفسي في
أقل من ثانية أقع في الحفرة الكبيرة بجانب المكان الذي كُنَّا فيه وسايبر يقترب مني
بينما نقع.. في البداية حسبته يريد قتلي لأننا سلبناه الجوهرة منذ قليل فأطلقت عليه
النار لكنَّه تفادا الطلقات ثم اقترب مني ليخبرني بأنَّه لم يعد يمتلك الطاقة الكافية
للانتقال وإذا أردنا النجاة معًا يجب أنه أنقل إليه بعض طاقتي حتى ننجو...
نظرت فرح إلى كشكول وتذكرت أنَّهُ جديدٌ
باللعبة ثم بدأت في التفسير:
-نسيت أن أقول بأنَّ تقنية نقل الطاقة
هي...
“تقنية يتم فيها إعطاء مقدار كبير من الطاقة
إلى أحد الزملاء في الفريق خلال قتالات الفِرَق لافتقاده لها مع توافرها لدى زميله..
أعرفها جيدًا.. أكملي” قالها كشكول فتعجب باسل وفرح كونه يعرف هذه التقنية فتكمل:
-حسنٌ... لم يكن أمامي أيُّ خيارٍ آخر
لذلك قررت نقل طاقتي إليه؛ فنهاية الحفرة هي الموت بالتأكيد.. لكن هذهِ حكايةٌ أُخرى...
كشكول في تعجب:
-بل إنها القصة عينها التي نريد...!
-كما تشاء.. بعدها استعمل سايبر تقنية الانتقال
خاصته بعدما منحته طاقتي لننتقل إلى مكانٍ آخر يبعُد عن المعركة؛ وبعدما عُدنا إليه
كان الجميع قد غادر، لذلك استعملنا الانتقال السريع كي نصل إلى مملكة الأرض...
تذكرت فرح أنَّ كشكول لا يعرف ما هو الانتقال
السريع فبدأت بشرح ماهيته فيقاطعها قائلًا:
-الانتقال السريع هو التنقل داخل خارطة
اللعبة بشكلٍ فوري دون قطع المسافات سيرًا أو ركوبًا لكنَّه مسموح في الأماكن العامةِ
فقط.. وليس الأماكن الخاصة كالأعشاش والمخابئ وتتوقف التقنية خلال النزالات.
عاود كُلًا من باسل وفرح نفس النظرة إليه
فيقول “كما قال الكتاب” فتكمل فرح:
-على أيَّةِ حال.. ذهبت مع سايبر إلى مملكة
الأرض حتى يحصل سايبر على العنصر وبعدهـ...
“خاض النازلات برفقتك لأنَّ عنصر الأرض
تتكون نزالاته من فريقٍ ثُنائي على عكس البقية لأنَّهُ العُنصر الأقوى ولذلك انضممتِ
إليه.. وكما قال الكتاب.” كشكول مقاطعًا ثم تكمل فرح:
-وقد حصل سايبر على عنصر الأرض كما هو
مُتوقع، وأثناء خروجنا من المكان لمحت من يبحث عن باسل وكان لا بُدَّ من تحذيره لذلك
بعثت إليك تلك الرسالة...
قال باسل:
-وقد فضحت هذه الرسالةُ أمري بينما كنتُ
أتجسس على وليد وهذا الشخص الأسود الذي كان معه وقد أوشكت على الموت حينها لولا ظهور
هذا الشخص الرمادي الغامض لينقذ حياتي...
“كيف حدث هذا؟” سأل كشكول ليجيب باسل:
-لقد أطلق كرةً سوداء صغيرة لحقت بي ثم أصـ...
قاطعه كشكول:
-ليس الهجوم ما أسأل عنه.. بل كيف بعثت فرح بالرسالة؟
-من خلال قائمة الأصدقاء...
-عن أي قائمة تتحدث؟
-عن القائمة التي يتواجد بها أصدقائك في اللعبة..
سأُريك كيف تُظهرها...
ثم يفتح كشكول قائمة أصدقائه بعدما عَلِمَ
الطريقة من باسل فيجدُ أنَّ بها صديقًا واحدًا فيقول:
-هذا غريب! لقد التقيت بالعديد من الناس ولا يوجد
إلَّا (فؤاد)؟
-ومن يكون هذا؟
-لقد قاتلته في مسابقة الرياح.. وهو مقاتلٌ قوى
لكنَّني تغلبت عليه في النهاية.. سأبعث لهُ برسالة ”مسا مسا يا ابو الصُحاب.”
مرت ثوانٍ قليلة حتى صُدِرَ صوت الرسالة
من كشكول فيبتسم لرؤية أول رسالة تُبعث إليه “وعليك يا زميلي” فيبعث إليه بمكان الأعشاش
التي عَثَرَ عليها.. بعدها يتجمد وجهه ثم يقول بصوتٍ خافت:
-يا رِفاق.. هُناك مَنْ يُراقِبُنَا...!