كُلما كانت مدة السقوط أطول
كلما كان الألم أشد وأكثر إماتة؛ هذا هو الشيءُ البديهي الذي راوده أثناء سقطوه من
أعلى هذا الجرف، وما زاد من شدة خوفه كان اللون الأسود الذي يدل على أَنَّ القَاع لا
نهاية له بعد، بالطبع لن يقف مكتوف الأيدي لتكون نهايته بهذه السرعة، فهو لم يدم طويلًا
داخل اللعبة، كما أَنَّهُ عَلِمَ من رُفَقَائه بأن من يَمُتْ الآن لا يعود مجددًا،
لذلك لابُدَّ من النجاة من هذا الموقف، وأول ما خطر بباله هو أن يتشبثَ بتلك النتوءات،
فأقترب منها وبسط يديه ثم أطبقها عليها فاحتكَّت يداه وتجرَّحت، فأيقن على الفور شدة
غبائه وأنها كانت فكرة خاطئة منذ البداية.
وفي هذا الموقف الحالك قرر
أن يسترخي حتى يستطيع التفكير بعقلانية، وأَوَلُ ما مر بخاطره هو تلك الكرة الصغيرة
ذات الحرف اللاتيني “K” والتي طلب منه باسل أن يستعملها عندما كَثُرَتْ الوحوش عليهم سابقًا
فأكتشف أنَّها تستجيبُ لأوامره بِمُجَرَدِ أَنْ يُفَكِرَ فيها بعقله فقط، لذلك قام
بتوجيه الكرة الصغيرة ناحية النتوءات لكنها كانت ترتطم بها فقط وهو مازال يهوي، وأنَّ
فكرته لم تكن أفضل من سابقتها، لَكِنَّهُ تذكر ما هو مهم في تجربته الأخيرة؛ وهو أن
السلاح لن يخذله في المواقف الصعبة وكل ما يجب عليه فعله أن يغمضَ عينيه ويَضُمَّ السلاح
بين كفَّيه ويأمر السلاح بأن ينقذه من هذا الموقف وها هو السلاح ينفذ طلبه حيث تكون
شيءٌ جديد في راحتيه فأطبق عليه وضرب به الجبل فإذا بهذا الشيء الجديد يتشبث به ومِنْ
ثَمَّ يرفعهُ لأعلى فيشهد انطلاقه للسماء وهنا أُتيحت له فرصةٌ أُخرى للنجاة، لكن يجب
عليه اختيار اللحظة المناسبة التي سوف يتشبث بها في الجبل وهي اللحظة التي سوف تنتصر
فيها الجاذبية الأرضية وتسحبه مجددًا لأسفل لكن قبلها سوف يتواجد جزءٌ من الثانية يصبح
فيه معلقًا في الهواء ومِنْ ثَمَّ يهبط لأسفل، ظل ينظر أمامه منتظرًا اللحظة التي سيكون
مُعَلقًا في الهواء فيها ليطعن بأنامله في الجبل ويتشبث به بصعوبة فينقذ نفسه من السقوط...
نظر لأعلى متفحصًا المسافة
التي سوف يقطعها وهو على تلك الحالة، ابتلع ما بِفِيه من طول المسافة، تذكر قول أبو
القاسم الشابي “ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر“ وهو بالتأكيد يخشى
ذلك إنما هو مضطر؛ حتى أَنَّهُ لم يحاول النظر لأسفل لكي تفحص كم بقي له كي يموت وإنَّما
واصل الصعود بتأني متذكرًا ما تعلمه في المدرسة بشأن التسلق حينما كان يهرب منها في
الاستراحة بين الحصص وكيف ساعده تسلق سور المدرسة في هذا الموقف لكنَّ هذا الشيء القادم
من بعيد قطع شريط ذكرياته وجعله يتوقف عن الصعود ليعرف ماهيته، انتظر بعض الوقت حتى
يستطيع رؤيته بوضوح لكن الشيء ما لبث أن اختفى قبل أن يقترب منه...
كان تخمينه لهذا الشيء الذي
بصره منذ مدة أَنَّهُ أحد أجزاء هذه اللعبة والتي ربما انفصلت عن مكانها وأن دورها
انتهي لذلك اختفت من مكانها، لَكِنَّهُ الآن أوشك على الوصول إلى أعلى الجبل ليعود
إلى أصدقائه ويساعدهم في قتال هذا الخائن الذي أطلق النار على باسل ثم حاول قتله،
وحين خطَّى أول خطواته أعلى الجبل تفاجأ بمنظر الدمار الذي رآه؛ آثار أقدامٍ على الأرض تعطيك هذا الانطباع بأنها ثابتة
لكنَّ شيءً ما كان يزيحها عن مكانها، وهي تخصه. بقعة على
الأرض على شكل دائرة وكأنما ضُرِب أحدهم بهذا المدفع الذي يملكه.
والأخيرة كانت قطعة مقوسة متآكلة من الحافة؛ بدت وكأنها أقوى من سابقتها، لكن المُحْبِطَ
في الأمر أَنَّهُ شاهد كل هَذِهِ الآثار ولم يرَ أحدًا قط في الجوار...
سار في الأنحاء يبحث عن باقي الفريق لَكِنَّهُ عاد
بخفي حنين، ظل يسير في الأرجاء إلى أن شعر بأنَّ أحدًا على وشك ضربه الآن لذلك سبقه
هو واطلق سلاحه في لمح البصر ليصيب رأس سائق الدراجة الذي جاء من خلفه ويتسبب في كسرِ
خوذته مع وقوعه من على الدراجة ليتفاجأ بعصابة من سائقي الدراجات ظهرت فجأة وصنعوا
دائرة حوله بينما يُلَوِّحُونَ بالسلاسل الحديدية بيدهم فيطلقوها نحوه لَكِنَّهُ استطاع
تفادى اثنيْن منها لكنَّ الثالثة والرابعة كانتا من نصيب يمناه ويساره حيث تمَّ تقييده
فعجز عن الحركة حينها، لكنَّ المشكلة الأكبر أن صاحب الخوذة المكسورة قادمٌ تجاهه بينما
أخرج من يده اليمنى نصلًا أسود اللون يزداد لمعأَنَّهُ كلما اقترب منه، وعلى ما يبدو
أَنَّهُ يريد رَدَّ الدين له على ما حدث منذ قليل...
* *
* * *
* *
ظل يحبو بكل ما تبقى له من
قوة بعيدًا عن هذا المكان لأَنَّهُ يعلم أنهم قادمون لا محالة وأَنَّهُ لن يقدر على
مقاومتهم وحده وخصوصًا وهو بتلك الحالة الضعيفة؛ لذلك قرر الاختباء ليفادا معركةً خاسرة،
فمنذ لحظاتٍ قليلة خسر كل ما لديه ولم يتبقى إلا نفسه، لكن مع ظهورهم كان هُناك شخصٌ
آخر...
* *
* * *
* *
“حافة الموت” شعورٌ لطالما
اعتاد عليه في هذا المكان؛ كُلَّما انتهى من مأزق وجد نفسه بآخر، فتارةً يهرب من وحوش
بأعدادٍ غفيرة، وتارةً أُخرى ينجو من الوادي بحافتهِ الخطيرة، وهو الآن على وشك تذوق
الهزيمة المريرة...
لَكِنَّهُ ليس من النوع الذي
يُلقي سلاحه بسهوله، خصوصًا وإن كانت حياته هي الثمن، يداه مكبلتان بالسلاسل وقدمه
بالكاد تحملأَنَّهُ ولن يستطيع تحريكهما كي لا يقع أرضًا، ظل ينظر إلى السلاح لينفذ
الفكرة التي راودته توًا وهي أن يحركه بعينه، لكن هذا الدراج أصبح قريبًا للغاية، أغلق
عينيه محاولًا استخدام عقله هذه المرة كي ينقذ نفسه لكن لا جدوى، رفع ستائر عينيه ليعطي
نظرة أخيرة للدراج القادم نحوه والذي رآه واقفًا على دراجته ومِنْ ثَمَّ يدفع بها ناحية
الذي على اليمين بينما يقفز هو في الناحية الأُخرى فتصطدم بمن يكبل يمينه ويقطع الدراج
بنصله سلسلة الذي على اليسار، وبعد ذلك يقف أمامي وهو يعيد النصلين إلى السوار بينما
ينظر إلى أصحاب الدراجات النارية ويقول:
-انا وصديقي هُنا نتحداكم
في نزال...
“صَدِيقُك؟” قالها لنفسه بصوتٍ
خافت؛ فكيف لشخصٍ قد ضربه توًا بأن يصبح صديقه؟ لكن أحد الدراجين قاطع تفكيره قائلًا:
-يا لك من ماكر، فبعدما أوشكنا
على الفتك بصاحبك قمت أنت بأخذ مكان رفيقِنَا الذي ضُرِبَ توًا وأنت الآن تطلب النزال
حتى لا نستطيع قتلك...
وفي تلك اللحظة خلع الخوذة
المحطمة من على رأسه وظهرت تلك الأعين المتعطشة للقتال والتي تظللها خصلات الشعر التي
انسابت على وجهه مع تلك الابتسامة التي لا ينقصها شيء سوء سيجارة من النوع الرخيص؛
فهذا ما اعتاد عليه...
نظر كشكول إلى باسل وهو يشعر
بالسعادة والتعجب في نفس الوقت؛ فلقد وجد أخيرًا أحد رفقائه الأربعة مع أَنَّهُ يعلم
أنهم أصبحوا ثلاثة فلقد خانهم وليد، كما أَنَّهُ تذكر أيضًا تلك الإصابة في كتفه الأيسر
وأَنَّهُ ربما لن يستطيع القتال الآن، فقال له:
-ربما لن تصدق هذا الكلام
ولكنني سعيدٌ برؤيتك الآن وهذا -نوعًا ما يشعرني- بالتعجب...
قال باسل بينما يلتف الدَرَّاجون
حولهم على شكل دائرة:
-ولسببٍ ما فإنني سعيدٌ أنا
الآخر، فلقد خِلْتُ لِلَحظات بأنك قد لاقيت حتفك داخل الحفرة، لكن من المبهج أنك استطعت
النجاة...
-ما يُهِمُّ الآن... من يكون
هؤلاء الناس؟ ولماذا يهاجموننا؟ ولم توقفوا عن الهجوم في الوقت الذي تحديت فيه قائدهم
في نزال؟
قال بينما عينه تراقب تحركاتهم:
-إذا أردت خوض نزالٍ في هذا
العالم فما عليك إلا أن تُهاجم خصمك فيبدأ القتال بينكم؛ سواءٌ أكنتم فريقًا ضد فريق
أو فريقٌ ضد شخص أو شخصٌ مقابل شخص، وينتهي التحدي إما بخسارة الشخص غالبية نقاط حياته
او كلها، فهُنا يضعف الشخص أو يموت.
-وهذا ما فعله محارب الطاقة
الأول الذي قابلناه، فلقد توقف عن مهاجمتنا عندما سقطت أنت، وذلك لأَنَّهُ أعتبر أننا
خسرنا بسقوطك...
-أصبت، وكل ذلك يتم بدون الاتفاق
على أي شيء، لكن عندما يبدأ أحدهم بالهجوم على شخصٍ ما وكان يعلم أَنَّهُ لن يستطيع
الفوز لأن خصمه أقوى منه، أو لأَنَّهُ في حالة لا تسمح له بالقتال فله الحق بأن يحدد
نوع النزال الذي سوف يخوضه مع الخصم الذي ظهر له وعقوبة من يخالف ذلك هي الموت لذلك
فهم لا يستطيعون مواجهتنا حتى نحدد نوع النزال، ولكن هذا القانون يعرفه قليلٌ من اللاعبين
لذلك فهؤلاء الدَرَّاجون يعتمدون على تلك النقطة...
-لهذا السبب إذًا توقفوا...
-هذا صحيح، فعند انتهاء المعركة
يكون أحد الخصوم أو كلاهما خائر القوى وهذه فرصة جيدة للقضاء عليهم والاستيلاء على
ما يملكون؛ وهُنا تأتي عصابة الدرَّاجين لكي تغنم ما تستطيع بعد انتهاء المعارك، لكننا
في هذه الحالة قد أفشلنا خطتهم نوعًا ما لكن هذا ما يعتقدون، فأنا أُريد أن اكون عادلًا
في النزال وأن أُعطيهم فرصة للفوز...
نظر إليه كشكول وهو لم يفهم
كلامه الأخير لَكِنَّهُ فَطِنَ تلك الابتسامة، ثم ينتقل باسل إلى تفاصيل النزال مع
رئيسهم:
-قوانين النزال في غاية البساطة
أنا الهدف في فريقي وأنت الهدف في فريقك، وأول فريقٍ يستطيع توجيه ضربة قوية إلى الهدف
في الفريق الآخر فهو الرابح أي أنَّ التقييد بالسلاسل ليست ضربة قوية، وأيضًا لا يمكن
للأهداف مهاجمة بعضها لكن يمكنها مهاجمة البقية، هل القواعد واضحة أم أنَّ عقلك الصغير
لم يفهم بعد؟
استشاط الرجل غضبًا وهو ينظر
إلى باسل فيقول له:
-بل إنَّ رأسكَ الكبيرة تلك
لن تتحمل ضربات رجالي التي سوف تنهال عليها بعد قليل، على أيِّ حال سوف آخذ سواري الدراكونيوم
الأسود منك عندما أربح...
“دراكونيوم أسود” جالت هذه
الكلمة في خاطر كشكول بعد سماعها من زعيم الدراجين، حيث اقترنت بأساور باسل فإن لهما
هذا اللون الأسود ويَخْرُجُ منها نصال حادة لكن ما قطع تفكيره أن باسل كان يتحدث بشأن
دراجاتهم وأن الدراجين قد أخرجوا عِصِيَ “البيسبول” من بذلالتهم واتجهوا نحوهم ليهاجموهما
وهنا قال له باسل:
-هذا النزال لك أنت، فلا تأبه
لأمري وأذهب إلى الزعيم مباشرةً وانهي الأمر بسرعة.
سار إلى الزعيم الذي كان خلف
أتباعه بينما تقدم بعضهم ناحيته محاولين إصابته لَكِنَّهُ تفادى اثنيْن منهم وأكمل
المسير فوجد أنهم توجهوا إلى باسل الذي جَلَسَ على الأرض ومد ذراعيه لأسفل غير مبالٍ
بالقادمين نحوه، فأيقن أنهم على وشك الخسارة الآن...