“أين
ذهبت الوحوش؟” سؤالٌ لابُدَّ من طرحه حين ترى بعينك هذا المشهد؛ ثلاث رجالٍ معهم فتاة
وفتىً صغير أو كما عَلِمنا أسمائهم منذ قليل؛ باسل، وليد، كشكول، فرح وهادى حيث أنهم
خائفين من هذا الشخص الذي شاهدوه حديثًا عدا كشكول الذي شعر بالقلق لأنه لا يعلم لِمَ
يخافه الجميع لكنهم يفعلون، ويمكن أن نستنتج من ذلك أنَّ الوحوش أيضًا تخاف، فهي تشعر
بالقوة الشديدة للأشخاص أو الوحوش الأقوى منها وتبتعد عنها حتى لا تتأذى لكن لماذا؟
ببساطة لأنَّه تم برمجتها على هذا الأساس؛ فالوحوش تحارب الضعفاء ليصبحوا أقوى، وتهرب
من الأقوياء لأنها سوف تموت بسهولة أمامهم، هذه هي سياسة اللعبة، وكأنَّ الضعفاء يلزمهم
متاعب أكثر.
والسؤال الأهم الآن والذي يدور في بال الضيف الجديد: من هذا الرجل؟
فمن الواضح أمامه أنَّ الجميع في أعلى درجات القلق وباسل الذي
ظنه -في بادئ الأمر- بالذي لا يهاب شيئًا لكنه في هذه اللحظة شاهده والعرق يتسلل من
مسام وجهه فيصنع تلك القطرات التي تشبه التعرض لشمسٍ حارقة لكنه على غير الجميع كان
ينظر حوله كأنما يبحث عن شىءٍ ما...
“ما الذي تفعله هنا؟ ألا
يكفيك ما فعلته سابقًا؟”
صاح بها باسل مخاطبًا هذا الشخص الهادئ الذي -لسببٍ ما- أرعب الجميع بما
فيهم الوحوش لتختفي عن المكان، ثم أجابه:
-بل ما الذي يفعله خائنٌ
مثلك هنا؟
-وهل تتوقع مني أن أنصاع
لأوامرك البلهاء التي تقتضي بمخالفة المباديء التي هي أساس عَمَلُنَا؟
-أنا لم أُخالف المبادئ قط،
فكل ما فعلته هو الحفاظ على الأمان والتوازن داخل اللُعبة...
-عن طريق قتل لاعبين أبرياء
لم يفعلوا شيء؟
-لقد كانوا خطرًا على اللعبة
وكان من الواجب القضاء عليهم، كما من الواجب القضاء عليك مثلهم...
ثم أكمل خطواته الباردة نحو
الأمام بينما باسل يستشيط غضبًا فيلقي لهم أمرًا قبل أن يَمُدَّ يَدَهُ مُظْهِرًا سلاحه
وهو يهرول إلي ذلك الرجل:
-احموا ظهري...
“لكن ممن؟”
استعد الجميع بتصويب أسلحتهم ناحية هذا الرجل
ظانِّين أنَّه الشخصُ المقصود منتظرين حركة مريبة منه حتي يشرعوا بالهجوم لكن بمجرد
عبور باسل منتصف الطريق بدأ أتباع هذا الرجل -الذين بحث عنهم باسل- بالظهور واحدًا
تلو الآخر، هدفهم هو القضاء على كل من يقترب من الزعيم، لكن باسل لم يأبه لهم؛ ليس
لأنه يثق بأصدقائه ثقة عمياء بل لأنَّ غضبه وكراهيته تجاه هذا الشخص أقوى من الالتفات
لمن هم دونه فأكمل شقَّ طريقه نحوه وكلٌّ منهم يهاجمه لكن أصدقائه كانوا لهم بالمرصاد،
فكلما اقترب منه أحد كانت فرح تطلق عليه النار بينما وليد يحاول اصابتهم من بعيد على
عكس كشكول الذي اقترب بينما يضربهم فيتحول أتباع هذا الرجل من باسل إلى بقيتهم ليبدأ
الصراع بين الطرفين، بينما اقترب باسل كثيرًا من هذا الرجل فيظهر له أحد أتباعه ويبدو
أنه الأقوى بينهم، فأحكم هذا التابع قبضتيه على هراوتي الشرطة اللاتي بجانب وقام بضرب
رأس باسل الذي جاء مسرعًا لتهشيهم عظام جمجمته لكن باسل رفع نصليه رادعًا هذا الهجوم،
فثني ركبته اليمنى لأعلى فأصابه في وجهه وأطاح به بعيدًا ثم قفز إلى قائد هذه الجماعة
وأظهر نصله الذي لمع في الهواء مُستعدًا لاختراق هذا الجسد، لكن وبحركة سريعة من خصمه
الذي أمسك بعصا الشرطة خاصته؛ ظهرت يدٌ عملاقة كأنها شبح أو ما شابه أطاحت بباسل بعيدًا،
لهذا يخشاه الجميع؛ فهو من محاربي الطاقة الأقوياء، فلقد نمت نبتة الخوف تجاهه أكثر
داخل أرض أعدائه، فلقد أطاح بباسل بينما كان يمد زراعه فقط، ما الذي سيحدث إن تقاتلوا
معه إذًا؟
توقف الجميع عن القتال كونهم غير مؤهلين لمجابهة هذا النوع من المحاربين،
والبعض منهم فَكَّرَ في الانسحاب من هذه المعركة الخاسرة فتوقفوا عن القتال وتراجع
أتباع هذا الرجل للاختباء مجددًا لأن الخطر قد زال عن قائدهم، بعد ذلك أكمل هذا الرجل
صاحب البزة العسكرية تحركه وسط أعدائه الذين ارتعدوا من مروره ناحيتهم بل بالكاد يقفون
مدافعين عن أنفسهم فيقول لهم:
-من حسنِ حظكم أنني في مزاجٍ
جيد اليوم، لن اقوم بقتلكم إلا لو تبعتموني...
ثم اكمل سيره حتى مرَّ بجانب هادي الذي كان يرتعش، فنظر الرجل إليه بتعجب
لبرهة بعدها ضحك وقال “لا يُعقل” ثم أكمل سيره...
*
* *
*
* *
*
يعمُّ الظلام داخل الحجز الثالث، لكن مرور أَحَدٍ بهذا المكان أمرٌ مستحيل
أي أنَّهُ قادم لمن بالحجز، ويظهر نقطتان خضراوان ليسا بالحجم الصغير داخل هذا المكان
الذي بالكاد تستطيع رؤية أيِّ شيءٍ بداخله كَوْنُهُ صُمِّمَّ ليكونَ سجنًا موحلًا لأخطرهم،
لكنه يُفتح الآن بطريقة آلية أي أنَّ من يفتحه من مسؤولي الُلعبة وأنَّه على وشك ارتكاب
أكبرِ خَطَأٍ في حياته؛ فمن بداخل هذا الحجز تُحَرِّكُهُ الكراهية، وها هي الحرية تبسط
كَفَّيهَا إليه وتُمَرِّرُ ضياء شمسها التي تعني بأن الحجز الثالث قد تَمَّ فَتْحُه...
*
* *
*
* *
*
إذا ألقيت بصرك على هذا المكان ستُدرك على الفور أَنَّ هناك معركة حدثت
منذ قليل لكنَّ الهدوء الذي يحيط بالمكان يشير إلى عكس ذلك؛ باسل مُلقىً على الأرض
ودخانٌ أبيض يتصاعد منه، اقترب الجميع منه للاطمئنان عليه بعد تلقيه تلك الضربة، فكيف
لشخصٍ عادي أن يتحمل تلك الضربة لكن هذا الباسل أثار غضب فرح لأنه كان يستلقي دون أيِّ
اهتمام ويُدَخِّن، لذلك قامت بضربه بقدمها وقالت له:
-لوهلة قَلِقْتُ عليك، هيا
بنا أيها الأحمق فلدينا ما نفعله...
قام باسل وأكمل سيره في الاتجاه الذي كانوا يقصدونه ليتبعه البقية وعلامات
الغضب الممزوجة بالانكسار ظاهرة على وجهه لكن لا يراها رفاقه كونهم خلفه ثم بدأ بالحديث:
-بشأن ذلك الرجل؛ لقد كُنتُ
أحد أتباعه في السابق.. الفرقة الخاصة تم تدريبها على التخفي من الأعداء وحماية القائد
وقتال الخصوم، كُنَّا الأقوى في اللعبة بعد الخمسة بالطبع، نقاتل المخترقين الذين يقومون
بمخالفة قوانين اللعبة ويحصلون على قوىً غير مشروعة ليصبحوا أقوى في وقتٍ قصير، كُنَّا
كالخراف يأمرنا الراعي بالسير في هذا الاتجاه فنسير فيه، لَم نكن نفكر فيما نفعل أو
لِمَا.. لكن كُلُّ ما نعرفه أننا الأمن في هذه اللعبة.. نحن القانون المتحرك الخاص
بها، لم آبه بتاتًا بماهية الأوامر التي كانت توكل إِلَيَّ وكذلك حال بقية الفرقة فكل
ما نفعله هو السمع والطاعة، حتى جاء ذلك اليوم الذي تركت فيه الفرقة؛ فلقد طلبوا مني
القضاء على أحد المبرمجين لكنني رفضت الأمر، ولأنني كنت الأفضل بينهم استطعت الهرب..
ولحسن حَظِّي أنَّ الأحوال ساءت كثيرًا داخل اللعبة.. كما أنهم تجاهلوني لأن هُنالك
ما هو أهم، وبقية القصة تعرفونها بالتأكيد فأنتم جزءٌ منها...
سألت فرح:وهل كنت تعلم أنَّهُ بتلك القوة؟
-في الواقع لا، كنت أعلم
أنه قوي وأنه من محاربي الطاقة لكن هذه أول مرة أشاهده يستعمل هذا التقنية، كان من
الصعب علينا التغلب على بعض الأشخاص فيما مضى فنستعين به لمساعدتنا فيقضي عليهم بسرعة،
لكن لم أَرَهُ أبدًا يفعل شيءً كهذا...
قالت فرح وهي تنظر إلى هادي الذي يُنَكِّسُ رأسه أثناء السير:
-لكن ما يحيرني أكثر سبب
تلك النظرة لهادي منذ قليل بل ولم ضحك وقال “لا يعقل”؟
أدرك هادي بأنه أصبح محور الحديث فنظر إليها فقالت له:
-هل سبق وأن رأيته من قبل؟
هزَّ رأسه نافيًا ثم أردف قائلًا بأنه جديدٌ في اللعبة وهو يقوم بالمساعدة
لا أكثر...
عَلِمَ الضيف الجديد أنَّه بالتأكيد ليس من محاربي الطاقة فهو بالكاد
استطاع تحريك سلاحه والقتال به لا أكثر، بينما هذا الرجل أطاح بباسل لمجرد تحريكه ليده
إلى الأمام لكنه يعلم أنَّ السلاح خاصته لديه المزيد، لكنه لازال يجهل بعض الأشياء
التي تخص وجهتهم فقال:
-بالمناسبة؟ لقد ذكرتم قبل
قليل بأن هذا الرجل هو محارب طاقة وأنَّ ثلاثة من المحاربين قد تم حبسهم وأننا متجهون
إلى أحدهم، بالأخص الذي يحمل الحجز الخاص به رقم ثلاثة وكونه محارب طاقة فهذا يعني
بأنَّه في مثل قوته وربما أكثر قوة، كيف لنا أن نأخذ منه الجوهرة بتلك السهولة وهو
ممن يطلق عليهم محاربوا الطاقة؟
استدار باسل للخلف ونظر إليه وهو يبتسم في ثقة ثم يقول له:
-في هذه الحال سوف نقوم بوضع
خطة...
وبعد دقائق وصل الجميع إلى الحجز الثالث على قمة ذلك الجبل حيث أخرجت
فرح مفتاحًا غريب الشكل وأدخلته بالفتحة في هذا الحجز لتُفتح اقفاله تدريجيًا ويستعد
الجميع لمقابلة (سايبر) كما قيل عنه سابقًا ويأخذ كلٌ منهم موضع الاستعداد، فلقد عُرِفَ
عنه سرعته الكبيرة أيضًا لَكِنَّ المفاجأة الكبيرة التي صعقت الجميع؛ ألا وهي أن الحجز
فارغ وأنَّ سايبر ليس به...