في هذا الزقاق الضيق ستجد بعض النفايات المُلقاة على الأرض؛ وكأنَّ
أحدًا قد اعتبر هذا المكان صندوق النفايات الخاص به ليُلقي به ما يشاء، أو ربما
شعر بالتكاسل من وضعها أسفل المنزل ليستلمها عامل النظافة بدلًا عنه لكنه اكتفى
بإلقائها من شرفة منزله لتتجمع حولها الفئران التي تعتبر هذا المكان مطعم خمسة
نجوم ليأكلوا ما يقدمه هذا النادل الكسول، لكن لو انتظرت قليلًا.. ستشهد هروب
الفئران من المكان لإقبال العمالقة -من منظور الفئران- عليه.. ستشهد اقتراب هؤلاء
الأربعة على المكان بالإضافةِ إلى العضو الجديد والذي ظلَّ يطلق سهام نظراته نحو
هذا الشاب الذي يستمتع بآخر جزء من اللفافة التي بفمه ليباغته هو الآخر بنظرة
غاضبة فيقول:
-حسنا!
أنا من عاملتك بقسوة منذ قليل، هل ستطيل الحملقةَ أم ماذا؟
فرد عليه والتعجيب يرسم ملامح وجهه:
-أنا لا آبه لك؛ فكل ما
يشغلني كَونُكَ تدخن والمطر مازال يهطل.
نظر إلى لفافته بعدما كان متعجبًا ثم بصقها من فمه:
-كنت أعلم أن هنالك شيئًا
غير طبيعي؛ فمن المفترض الحصول على الدخان لا الماء.
نظرت الفتاة إلى الضيف الجديد وقالت:
-دعك منه، فهو هكذا منذ
البداية.. دعني أُخبرك الآن ما أنتَ مقدمٌ عليه...
تحولت نظراته إلى الجِدِّيَّة وأصبحت أُذناه أداتي استقبال لتلك
الفتاة لتقول:
-ما نحن مقبلون عليه هو
حربٌ بمعنى الكلمة...
قاطعها بنبرة قلق:
-حرب! وأين هي؟
-إنها في مكانٍ ما غير
هذا العالم...
-غير هذا العالم! هل
تقصدون أنكم من بعدٍ آخر أو شيءٌ كهذا؟
فتدخل المُدخن بعدما شعر بالملل:
-لم لا تدعها تكمل وتكف
عن المقاطعة؛ فهكذا لن ينتهي الحوار أبدًا...
نظر إليه في غضب ثم عاد للفتاة مجددًا ليومئً برأسه لتكمل:
-قبل أن أدخل في الجزء
الخاص بالحرب.. دعني أُخبرك أولًا عمَّا أنتَ مقبلٌ عليه...
هز رأسه ليعلمها بأن تكمل:
-”Game Over”: من
أشهر الالعاب المغمورة في عالم الانترنت...
قاطعها متعجبًا:
-كيف لها أن تكون مشهورة
ومغمورة في نفس الوقت؟
ابتسم بينما يخرج لفافةً أُخرى من العلبة ويدسها بفمه:
-أردت أن أسأل السؤال
نفسه.. يا لتناقض!
تجعد حاجبيها غضبًا بينما ترمق الاثنين كتحذير بألَّا يقاطعاها
مجددًا:
-أي أنَّ هذه اللعبة
انتشرت في الخفاء وأصبحت الأشهر بين مَثيلاتها وذلك لأنها واقعية أكثر من اللازم،
فعندما تريد العِراك مع شخصٍ ما.. فلن تقوم بضغط الأزرار ليتحرك من بالداخل ويقاتل
بالنيابةِ عنك، بل أنت من سيكون هُناك ويقاتل بنفسه بالطريقة التي يريد وبالسلاح
الذي يريد...
-أتقصدين بأنها مُشابهة
لتلك الأفلام التي يصبح فيها البطل مُحتجزًا داخل أحد الألعاب بينما يحاول الخلاص
منها!
هزت رأسها بالرجحان فقال بسخرية:
-عزيزتي، لا توجد مثل هذه
الأشياء في عالمِنا؛ فحتى الآن لم يصل التقدم العلمي إلى هذا الحد.
-ومن قال لك بأننا من هذا
العالم؟
-ومن قال لكِ بأنكم من
عالمٍ آخر؟
توقفت خلال السير لينتبه هو على الطريق، ليجد أمامه الكثير من صناديق
الورق المُقوى فيتوقف هو الآخر، لكن بقية المرافقين قاموا بإزالة الصناديق لتظهر
تلك الدائرة الحلزونية المتوهجة التي تشبه الإعصار من أعلى، فترتسم على وجهه
علامات التعجب والاندهاش كما الابتسامة على وجه الفتاة لتجيبه:
-هذه قالت...
*
* *
*
* *
*
“أين أنا؟” أول ما خطر
بباله، والإجابة: هو داخل مروجٌ خضراء تُجملها بعض الأشجار المرصوصة والتي تكتظ
عند مدخل الغابة مع بعض الغيوم في السماء راسمةً تلك اللوحة الجميلة...
هكذا
كان الجواب لسؤاله الأول، لكن الثاني “ أين البقية؟” إجابتهُ ستنتظر قليلًا لأن
هذا الكائن المخيف ذو الاسنان المرعبة وتلك العين التي لا يُحتَمَل النظر إليها
وهذا الجلد الشبيه بالزواحف يجري نحوه الآن ولابد أن يهرب منه قدر المُستطاع، تذكر
تلك اللحظات التي أصابه الصداع خِلالها جرَّاء عبوره لهذا الشيء الحلزوني.. تذكر
رغبته في السخرية من الجالس أمام الشاشة البيضاء والذي يبدو عليه تقدم السن في
بصيلات شعره البيضاء وتجاعيد وجهه الخفيفة والذي يرتدي نظارة لتخفيف الضرر على
العين، كم أراد الضحك حينها! لكن الفتاة ابتسمت حينما لاحظ تلك النظرات وبادرت على
الفور بإعطائه نظارة مماثلة ليكتشف بعدها أنهُ هو الأبله وليس الرجل، والنظارة
ليست للحد من الضرر بل إنها السبيل الوحيد لتحويل شيفرة اللون الأبيض إلى صورٍ
وكتابات مفهومة، كما أن الأزرار التي بالنظارة مغرية إلى حدٍّ يدفع من يرتديها في
الرغبة بالضغط عليها، لكن مع صرخة تلك الفتاة “ليس الآن!” كان عليه الانتظار؛ فلقد
أرادت إخبارهُ ببعض المُلاحظات قبل الولوج:
1-عند الولوج إلى اللعبة
ينتقل كل شخص إلى مكانٍ مختلف بجوار الغابة؛ أي أنك ستكون وحيدًا لبعض الوقت.
ربما
يفسر هذا عدم وجودهم بجواره...
2-عندما تقابل أحد الوحوش
فالأفضل لك أن تَهْرُب، وتذكر بأن هناك الكثير منهم داخل الغابة.
وعلى
ما يبدو أنَّهُ لم يأخذ بالنصيحة كاملةً بل اكتفى بشِقِّها الأول غير آبهٍ
بشِقِّها المهم، لكنه وَجَدَ مخرجًا من الغابة بعد أن هرب بأُعجوبة من هذا الكم من
الوحوش، لكنه يعرف بأنه لن يستطيع.. لن يستطيع الهرب أكثر من ذلك، فلقد تعثَّرَ في
جذور الأشجار وارتطم بأغصانها كثيرًا ولا طاقة له في الهرب أكثر من ذلك...
3-إذا وجدت نفسك محاصرًا
ولا سبيل للهروب؛ ففي هذه الحالة أغمض عينيك وتخيل بأن معك شيئًا تُدافع به عن
نفسك.. السلاح الخاص بك.
ها هو الظلام يَحُل بالمكان ومعه يبدأ الشعور بهذا الشيء المُتواجد
في يده ولا بُد أنَّهُ الأقوى؛ فلقد أراد ذلك.. أراد السلاح الأقوى... “بِلّية!”
هكذا كان السلاح الأقوى، أو رُبما رأت اللُعبة ذلك، لكنه نظر إليها باستصغار وأن
تلك اللعبة اللعينة تمزح معه في الوقت غير المناسب.. لكنه الآن يجب أن يُقاوم وهذا
كُلُّ ما يملك... في هذه الحالة لا سبيل له إلا بإلقائها في عين أحد الوحوش حتى
يستطيع على الأقل الإبقاء على حياته لفترةٍ أطول.. أحْكَمَ قبضته على الكرة
الصغيرة التي تحمل نقش يشبه حرف إنجليزي.. نظر إلى هذا الوحش القريب منه بغضب، صرخ
بأقصى ما يستطيع.. ألقى بالكرة على هذا الوحش، مرت بجانب أُذنه، تذكر أنهُ لا يجيد
التصويب...
ها هو الوحش يقترب أكثر.. إمَّا حياته أو (وجبة سناكس) لهذا الكائن..
بالطبع اختار حياته أو هكذا فعل الأدرينالين.. انقض عليه الوحش ليعطيه قبلة
الوداع، امسك هو برأس الوحش بينما أطاح بقية جسده به ليقع على الارض محاولًا منع
تلك الأسنان من أخذ قطمة من وجهه، لمح الوحش الآخر الذي رغب في فعل ما قام به الذي
بين قبضتي يده ليحركها بعزم فتصطدم رأسا الوحشين ببعضها مانحًا له المجال للفرار
-ولو قليلًا- لكن ظهور الثالث عرقل حركته وجعله غير قادر على الحركة لأنه أمسك
بقدمه والرابع كان أكثرهم رُعبًا؛ فهو من سيلتهم وجهه الآن من أعلى، وهُنا تذكر
أهم ملاحظة كتبها لنفسه: “لا تتبع فتاة لمجرد أنها أثارت فضولك”، فيمتلئ وجهه
بالدماء جراء اختراق هذا النصل الحاد لجمجمة هذا الوحش، فلقد ظهر في آخر لحظة وهو
يُهَشِّم عظام هذا الوحش أثناء قفزه ليقتل من يقبض على قدم من معه، قام بعدة حركات
تدل على أنَّهُ يُجيد استخدام السيوف وهو يُطيح بهذه الوحوش التي يزداد عددها،
ابتهش الآخر لأن حياته لن تنتهي بسبب أحد قراراته الغبية في الحياة، لكن صديقه كان
منزعجًا -ـو هكذا هو دائمًا- كما أنَّ بهِ شيءً مختلفًا ليتذكر على الفور الملاحظة
الأخيرة، أو هكذا جعلها هو...
4-قبل أن تضغط على الزِر
الذي بالنظارة يجب أن تَجْـ...
-أَلَم يُخربك أحدهم بأن
جسدك يصبح خاويًا حينما تنتقل إلى اللعبة، أم أنَّك أردت إرهاقي بجعلي أحملك حتى
اُجلِسُكَ على السريـ...
وهنا قاطعته تلك الوحوش التي لم يستطع حصر عددها فيعلم على الفور
بأنه لن يستطيع النجاة وحده:
-أنت يا هذا.. تخيل
سلاحًا ما ودافع عن نفسك فأنا بالكاد أستطيع المقاومة...
-سبق وفعلت، ظهرت لي كُرة
صغيرة ليست لها أَيُّ قيمة...
قال بتعجب وهو يدخل سيفه في أحد الوحوش:
-ماذا؟ هل أخبرك أحدهم
بأننا على وشك الدخول في بطولة حفرة البلي لشوارع الحتة؟
أجابه وهو بالكاد يقف على قدميه وهو يحاول إبعاد الوحش عنه:
-لا أعلم.. تخيلت السلاح
الأقوى وظهرت لي.
قال بينما يحميه من الوحش:
-وأين هي الآن؟
يلتقط أنفساه:
-ألقيتها بعيدًا...
-لماذا؟
-كي أضرب بها أحد
الوحوش...
-وهل أصبته؟
-...
-...
-...
-لماذا أَصَرَّتْ على
إحضارك هذه البلهاء؟ فقط أحضره إلى هُنا، ربما ليست تلك طريقة عمله الصحيحة...
-وكيف أُحضره؟
-لا أعلم.. إنه سلاحك أنت
وليس أنا...
وهُنا أصبح من الصعب عليه الدفاع حتى عن نفسه، بينما وقف الآخر
رافعًا يده أمامه مواجهًا هذا الكم من الوحوش كبداية...